يختلف كلُّ شيء حين تكون الممرضة أمًّا في زمن الحرب! فليست المعركة فقط داخل أروقة المستشفى، بل في القلب أيضًا، بين سرير مريضٍ يحتاجها، وأطفالٍ ينتظرونها في بيتٍ لا يعرف الأمان.
حاورت منصة القدس 360 الممرضة جولييت الغول، مشرفة التمريض في مستشفى ناصر الطبي، وتحديدًا في مبنى الولادة، حيث تُقاس الحياة بأنفاسٍ صغيرة لا تحتمل التأجيل، استهلّت جولييت حديثها بمقارنةٍ موجعة بين زمنين تقول: “قبل الحرب، كنّا نعمل 18 ساعة، ثم نحصل على ثلاثة أيام إجازة، كانت هناك حياة؛ مدارس، رحلات عائلية، تدريس للأبناء، بحر، زيارات بين الأهل والأصدقاء.. أمّا بعد الحرب، فلا يوجد حياة”.
منذ صباح السابع من أكتوبر، تغيّر كلُّ شيء، تقول: “استُدعينا من اليوم الأول إلى جدول الطوارئ، صرنا نعمل 24 ساعة متواصلة، نحصل على يوم إجازة بالكاد، ثم نعود لدوام 24 ساعة بحسب اشتداد الأزمة”.
عامان كاملان في المستشفى دون إجازة حقيقية، ولا حتى إجازات مرضية، فقد كانت المستشفى بيتهم، تكمل حديثها: “حين اقتُحم مستشفى ناصر واضطررت أنا والطاقم إلى المغادرة، لم يكن التوقُّف خيارًا، انتقلنا إلى مستشفيات رفح، وأقمت أنا شخصيًا نقاطًا طبية وداومتُ فيها ثلاثة أشهر متواصلة، إلى أن أُتيح لنا العودة إلى مستشفى ناصر”.
الممرضاتُ الأمهات
ضغط العمل في تلك الأيام كان يفوق الوصف، تقول: “كنا نشتغل مع كمٍّ هائل من المصابين، لأنّ معظم سكان غزة كانوا في خانيونس، وعدد الحالات كان ثلاثة أضعاف ما اعتدنا عليه، والشغل تضاعف، والوجع تضاعف معه، لكن أصعب ما في الأمر لم يكن كثافة الإصابات وحدها، بل ذلك القلق الذي لا يغادر قلوبنا كأمهات، فأثناء ضغط العمل الكبير يكون ذهنك مشغولًا بالأولاد، دوامة الأسئلة لا تقف في رأسك.. هل هم بخير؟ صار قصف؟ كيف أمورهم؟ أمنوا مي؟ عملوا أكل؟”.
بين غرفة العناية وصوت الانفجارات البعيدة، كانت تعيش الغول انقسامًا قاسيًا، جسدها في المستشفى تنقذ أرواحًا، وقلبها في البيت يحرس أبناءه بالدعاء، تصف لـ منصة القدس 360 حياتها كممرضة أم: “الحياة كأمّهات كانت أشدّ قسوة من كل نوبات الطوارئ، فاليومان اللذان يُفترَض أن يكونا إجازة، لم يكونا كذلك، تقريبًا ما كنّا نأخذ إجازة، كان الذهاب إلى البيت يعني سباقًا مع الضرورات، تأمين الماء، وإعداد الطعام على النار، وعجن الخبز، وغسل الملابس يدويًا”.
تروي الممرضة جولييت الفصل الأقسى على قلبها، يوم أن عادوا إلى مستشفى ناصر بعد شهور النزوح والعمل في النقاط الطبية، تقول إنّهم ظنّوا أن العودة تعني شيئًا من الاستقرار، لكنهم فوجئوا بمعركةٍ من نوع آخر… معركة الوقود.
تقول: “في المستشفى مولّدان كهربائيان؛ كبير وصغير، لكن شحّ السولار أجبرنا على تشغيل المولّد الصغير فقط، ليغذّي مجمّعًا كاملًا يضم خمسة مبانٍ ضخمة، فيها أقسام العناية المركّزة، والمختبرات، وغرف العمليات، وقسم الأشعة، وكلّها تعتمد على الكهرباء لتبقى الحياة متصلة، ولكننا وصلنا إلى لحظة نفد فيها السولار تمامًا، لم نعد نفكّر إلا في إبقاء الحدّ الأدنى من الإضاءة، ثم اضطررنا إلى إطفاء كل شيء، لا أجهزة، لا إنارة كافية، ولا حتى أكسجين”.
هناك، في تلك العتمة الثقيلة، لم يبقَ سوى الأيدي، فاضطروا لعمل تنفس يدوي للأطفال الخدج، تمسك بالبالون الطبي وتضغطه بانتظام، دقيقة تلو الأخرى، ساعة تلو ساعة، لتحفظ أنفاسًا صغيرة لا تعي شيئًا عن الحرب!
تقول جولييت، وهي تستعيد تلك الساعات الثقيلة: “كانت لحظات صعبة جدًا ما بين عمليات التوليد في هذه الظروف القاسية، والأطفال في العناية المركزة والحضّانة كمشرفين، من أول ما تنقطع الكهرباء، نركض فورًا، إذا في عمليات جارية، نكون هناك، وإذا في أطفال على أجهزة التنفّس، نكون هناك”.
ففي غياب التيار، لم يعد هناك جدار يحمل صمّام الأكسجين، ولا أجهزة تضخّ الهواء بانتظام، تكمل متنهدة: “كنا بأيدينا نستغني عن صرّة الأكسجين اللي في الحيطان، وإذا ما في جرّات أكسجين، نمسك الأنبوب… أعطي الطفل بيدي لساعات الأكسجين، نضغط الكيس المطاطي بإيقاعٍ ثابت، لا يحقّ له أن يختلّ، كل ضغطة تعني نفسًا، وكلّ توقّف يعني خطرًا، كان يستمرّ الأمر ساعات، إلى أن تُحلّ الأزمة، أو تصل مساعدات، أو تتبرّع مؤسسات دولية بأكسجينٍ يكفي حضّانات الأطفال على الأقل”.
ثم تصمت قليلًا، قبل أن تبوح بما كان يدور في ذهنها وهي تضغط بيديها: “كنت أفكّر… لِمتى؟ لِمتى بدنا نضل هيك؟ ما ذنب الأطفال؟ ولمتى سيبقى العالم مش سامعنا ولا شايفنا، ومتجاهل صوتنا؟ شو النهاية؟”.
في تلك اللحظات، لم تكن جولييت فقط ممرضة تؤدي واجبها، بل كانت أمًّا تضخّ الهواء في صدر طفلٍ، وتضخّ معها سؤالًا كبيرًا في وجه عالمٍ صامت.
نداءُ الواجب
وعن عودتهم إلى مستشفى ناصر، تقول جولييت إنهم حين عادوا إلى مستشفى ناصر، في شهر مايو عام 2025م، لم يعودوا إلى مستشفى بالمعنى الذي يعرفه الناس، بل إلى مبنى معدم بالكامل، فقد كانوا أول طاقم تطأ قدماه المكان بعد الخراب، تصفه: “خالٍ من الأسرّة، من الأجهزة، من الفرشات، من المعدات، من التهوية، من الإضاءة، كل شيء كان مدمّرًا، مسروقًا، مفقودًا”.
بمجرد وصول طاقم الأطباء والممرضين المجمع نظّفوه، ورمّموا ما استطاعوا ترميمه، وأعادوا ترتيب ما تبقّى من أدوية ومعدات قليلة كانت بحوزتهم، ولم تكن هناك أسرّة كافية، فوُضع المرضى على الأرض إلى أن وصلت دفعات محدودة من الأسرّة.
تكمل فصول المعاناة: “الأدوية كانت – وما تزال – شحيحة جدًا، حتى إن وُجد مخزون، لا يمكن صرفه كاملًا، لأنّ المجهول القادم أكبر من المتاح بين الأيدي، كان علينا أن نمارس «استهلاكًا رشيدًا» للأدوية، في معادلة قاسية بين ضميرٍ مهنيّ لا يقبل حرمان مريض من حقه، وخوفٍ من نفاد الدواء في أي لحظة.
ورغم ذلك، تؤكد جولييت أنهم عملوا وفق المتاح، وحسب الموجود، وبقدر ما يستطيعون توفيره، تدرك ذلك حين ختمت حديثها قائلة: “كنا نعمل على جودة عالية جدًا، حتى بأقل الإمكانيات، كان التحدّي يومها ألا يتوقّف المستشفى عن كونه مستشفى، حتى وهو يفتقد كل المقوّمات”.
هكذا تختصر جولييت حكاية عامين من الطوارئ الدائمة، من حياةٍ كانت تتّسع للبحر والعائلة، إلى حياةٍ لا تتّسع إلا لسرير مريض، وأنفاسٍ يجب أن تبقى.




