تقارير

في حقيبة “أم مالك”.. صورة أمومتها المقتولة!

ربما كان السؤال الأقسى طوال حرب الإبادة، وفي كلِّ رحلة نزوحٍ خرج بها الغزيون: كيف سنختزل حياتنا في حقيبة؟ وماذا سنحمل من بيوتنا لحظة الإخلاء والفرار؟

غير أن الإجابة في قلب وعقل الغزية أم مالك بارود كانت حاضرة، لا تحتمل الحيرة ولا التردد.. لم تبحث طويلًا بين جدران البيت عمّا تأخذه معها؛ فقد عرفت منذ اللحظة الأولى ما الذي يستحق أن يرافقها في رحلة النزوح..

صورةٌ واحدة، صورةٌ تجمع أبناءها الأربعة الشهداء، صورةٌ تُبقي أمومتها حيّة في قلبها، وتذكّرها بالمشوار الطويل الذي قطعته معهم، قبل أن تقطعه إسرائيل بقتلهم، فلم تحمل من البيت أثاثًا، ولا ثيابًا كثيرة، بل حملت ما تبقّى من حياتها كلّها داخل صورة!

حين تجلس لتحاور أمًّا فقدت أبناءها الأربعة وزوجها، وابنتها الصحفية حنين التي كانت تخاطب العالم وتحدّثه عن إخوتها وأبيها المفقود، تصيبك الحيرة: من أين يبدأ السؤال؟ وعن أيِّهم تُفتح أبواب الوجع أولًا؟ فكلُّ حكايةٍ منهم جرح، وكلُّ اسمٍ منهم ذاكرةٌ كاملة من الفقد.

لهذا ارتأت مراسلة منصة القدس 360 أن تجعل البداية والنهاية مع تلك الأم؛

فهي وحدها القادرة على أن تروي الحكاية كما عاشتْها، لا كما تُكتب في الأخبار، لتحدثنا عن أبنائها الأربعة الذين غابوا دفعةً واحدة، وعن ابنتها الصحفية حنين التي كانت تنقل للعالم وجع إخوتها، وتبحث بالكلمات عن والدها المفقود، وعن الزوج الذي ظلّ عدة أشهر في عداد المفقودين، قبل أن تجده العائلة أخيرًا… شهيدًا.

هنا تسمعون حكاية أمومةٍ طويلةٍ اغتالتها الحرب، تُروى مباشرةً من قلب أمٍّ مكلومة، أمٌّ وقفت فوق جثمان ابنها الأخير، بعدما شيَّعت قبله أبناءها واحدًا تلو الآخر، وقالت بكلماتٍ تختصر عمرًا كاملًا من الفقد: “كلهم قدّ الأقصى، كلهم فداء القدس، الآن لم يبقَ لي أحد، كلهم شيَّعتهم شهداء للوطن”.

أنا أم مالك بارود، أم الشهداء الأربعة، لأبدأ من وجعي الأول.. فمنذ بداية حرب الإبادة ترأس زوجي الدكتور محمود بارود لجنة الطوارئ بمخيم الشاطئ، كان يقدم الخدمات لأهل المخيم، يواصل ليله بنهاره ليؤمن لهم المياه الصالحة للشرب في ظل انعدامها شمال قطاع غزة.

كان ابني البكر مالك ذراعه الأيمن، يرسله للمؤسسات التي يوجد لديها مخزون من السولار، يعده هو وإخوته عملًا فدائيًا، فبين أزيز الرصاص ووابل الصواريخ، كانوا يتنقلون لتوفير السولار والمياه مع الجهات المعنية بتوفير المياه على طريق محطات التحلية.

في السادس من نوفمبر.. كان مالك يقل سيارة لإنجاز مهمة إنسانية أرسله إليها والده برفقة اثنين من المساعدين في العمل الإغاثي لخدمة النازحين الذين تقطعت أوصالهم ما بين مشقات الحياة في الحرب وتفاصيلها الشاقة.. ففوجئوا عند مفترق فارس بجوار جامعة الأزهر بغزة أن قوة إسرائيلية تتمركز هناك.. فاستهدفتهم طيارة إسرائيلية مباشرة بصاروخين، نجا مالك من الصاروخ الأول بينما لم ينجوا والمرافقين من الصاروخ الثاني وارتقوا شهداء.

كان الشهيد الأول الذي نفقده في العائلة، فجعنا بفقده، كنا نعده سندنا وعمود بيتنا، وكان فرحتي الأولى قبل ثلاثين عامًا حين بشروني به أول أطفالي، ورزق بطفلين طفل على اسم أبيه وآخر سماه عبد الوهاب.

كان جرح العائلة أكبر من أن نتخيله، وبعد شهر ونصف، لم يكن الجرح قد التئم.. فجعنا بابني الثاني محمد، كان يعمل مسعفًا فاستهدفه المحتل الغاشم وهو ينقل ويسعف المصابين وارتقى معهم شهيدًا ونقلوهم جميعًا إلى المشفى!

وكأن سرادق الحزن فتح على عائلتي بعد استشهاد مالك ومحمد، خرج زوجي ذات يوم لعمله إلى مستوصف الاونروا بمنطقة الشاطئ الذي كان يمتلئ بالنازحين، واختفت آثاره فلا نعلمُ بعدها إن كان شهيدًا أو أسيرًا.

أقام الحزن بقلبي، إذ كيف سأعيش حرب الإبادة هذه دون زوجي كتفي الذي أستند إليه، ودون ابني مالك ومحمد اللذين كانا سندًا لي بعد اختفاء زوجي قسرًا، ورغم ذلك تشبثتُ في البقاء شمال غزة أنا وولداي مؤمن وأحمد وابنتي حنين، رغم المعاناة والتشريد والتجويع وشح الطعام وقتل العائلات إعدامًا ميدانيًا على مرأى الجميع..

وعلى الدرب ذاته سار أبنائي مالك وأحمد، وفي يوم من الأيام وقفا على ركام المسجد الأبيض بعد أن وقفا طابورًا لتعبئة الماء لعائلتهما يوم الثالث عشر من تموز عام 2024م ليصليا صلاة الظهر، وفي طريقهما تحدث مؤمن عن حلمه الذي كان يسكن قلبه قبل المحرقة التي نشبت في غزة.

انتهت الصلاة وأديا ركعتي السنة، وبينما كانا ساجدين، يرفعان إصبع السبابة للتشهد الأخير، انفجار هز أركان المخيم.. ليرتقيا هما و22 شهيدًا، كان مؤمن قد أنهى مرحلة التوجيهي قبل الحرب، وعزم على التسجيل بالجامعة في تخصص الإلكترونيات، أما أحمد فرغم صغره إلا أنه كان يرى نفسه حين يكبر خطيبًا مصقعًا ومتحدثًا مفوهًا.

تنافسوا جميعهم على حفظ القرآن الكريم، وسلكوا درب العلم حتى تميزوا، وحرص والدهم أن يكونوا من رواد المساجد، كنت أراهم مستقبلي الذي صبرتُ العمر كله لأجل أن أشيده مميزًا، أربعة شباب يحيطون بي في كل مأزق قد ذهبوا جميعهم، ثم استشهدت حنين التي تحدثت للعالم عن إخوتها حين فجعت برحيلهم بقصف صاروخي على مدرسة أسماء في مخيم الشاطئ، وبعد شهور عرفنا أن زوجي المفقود في عداد الشهداء!

صورة التقطناها لزوجي وأبنائي الأربعة قبل الحرب، طبعتُها صورة ورقية، حملتها

ككرت تذكاري بحقيبتي كلما نزحت من مكان لآخر، كنت أراها صورة العمر لكل أم بعد أربعين عامًا من التعب والشقاء لتبني عائلة جميلة، والتي كان من المفترض أن تحصد أفراحهم واحدًا تلو الآخر

ودعتهم جميعًا بالصبر والثبات، وعلى جثمان مؤمن وأحمد، قلت: “استشهد جميع أولادي، الآن ليس لي أحد، الآن أولادي الأربعة شهداء، فداء الأقصى، فداء القدس”!

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى