إنسانزمان

على شواهد القبور.. “عيدٌ شهيد” في فلسطين!

 

منذ ثلاثة أيام يستيقظ العالم على زينة العيد، وتفتح الخزائن على ثياب جديدة مبهجة، تفوح منها رائحة الفرح، وتتعالى ضحكات الأطفال بألوان الحياة الزاهية، بينما في فلسطين بدت هذه الأيام على نحوٍ مختلف تمامًا..

 

الخطى هناك لم تتجه إلى الأسواق وأماكن الألعاب والترفيه.. بل إلى القبور التي تضم أحبابهم الراحلين، وإلى ركام البيوت التي يدفن تحتها بقية العائلات!

 

فقد خرجت الطفلة حلا أبو رويضة قبل العيد بأيام تبحث عن بهجة مفقودة بعد الدمار الذي أصاب غزة وقلوب أهلها ومرور أربعة أعياد في ظل الإبادة، كانت تمسك حلمها بيديها، تقيسه على فستان ملون، ولم تتخيل أن الطريق على لبسة العيد قد يتحول إلى ممر تحو العناية المركزة، وأن رصاصة جندي غادر هناك أسرع من ضحكة العيد.

 

وفي غزة، لم يعد اجتماع العائلات صبحَ العيد يحتاج إلى بيتٍ واسع أو مائدةٍ ممتدّة.. يكفي شاهدُ قبر! هناك، تكتمل العائلة أخيرًا؛ بعضها يجلس فوق التراب، يحمل في قلبه ذكريات عيد قديم، وبعضها يرقد تحته، ففي هذا العيد تقاربت الخطى نحو المقابر، واجتمع الغائبون والحاضرون في مكان واحد..

 

في مقبرة تضم رفات آلاف الشهداء، جلس الغزي “إسماعيل حماد” على شاهد قبر يضم ما استطاع لملمته من رفات زوجته وأبنائه، بعد أن جلس قرابة العامين وهو ينخل رمال بيته المقصوف، وجمع 3 كيلو جرامات من رفاتهم!

 

صبحَ العيد وحين كانت البيوت تمتلئ بالضحكات، جلست “لينا موسى” على ركام بيتها، تبكي عائلة كاملة قتلها الاحتلال في يوم عصيب من أيام الإبادة، تنظر إلى الركام كأنه ذاكرة كاملة يبتلع ستين روحًا من عائلتها، كانوا يومًا يملؤون عيدها حياةً وصخبًا..

 

“لينا” الناجية الوحيدة من عائلةٍ كبيرة كانت تحاول أن تتخيّل كيف كان العيد هناك قبل أن يتحوّل إلى غياب، وفي قلبها أمنية صغيرة ولكنها مستحيلة، أن تعود ضحكة واحدة فقط تخرج من بين الركام!

 

وداخل خيمةٍ قماشها مهترئ في أحد مخيمات النزوح بمدينة غزة، تعيش الغزية آلاء العرابيد عيدًا مختلفًا، وحيدةً تحيط بها صور زوجها وبناتها الأربع، تاركين خلفهم صمتًا لا يمكن تعويضه، وفي ذاكرتها يعتصر ألم ذكرى العيد الأخير الذي قضته معهم قبل أن يتحول إلى شريط ذكريات مؤلم، وهي تتذكر أحلام أربع نجمات فقدتهن في قصف غاشم!

 

بمجرد رؤية الأطفال على باب الخيمة يتعالون على الجراح ويلبسون ثيابًا جديدة، بكت “العرابيد” عائلتها التي اعتادت أن يكون العيد مناسبة استثنائية يعظمون فيها شعائر الله ويسرقون من فم الأيام فرحة رغم المحتل وعنجهيته.

 

وفي العيد الأول للطفل غيث أبو دقة، يفتقد بغربته اتصال أمه الصحفية “مريم” التي اغتالها الاحتلال ثمنًا للحقيقة وكان حرصها على نقل الحقيقة والصورة سببًا في فراقهما حين رفضت مغادرة غزة، فقد كتب لها رسالة يعرف تمامًا أنها لن تصل لها: “يا ماما مريم… أول عيد بدونك، وكل إشي حواليّ ناقص، صوتك مش موجود، حضنك مش موجود، والفرحة مش كاملة، كنتِ العيد وروحه، وبدونك العيد صار مجرد يوم عادي، اشتقتلك بشكل ما بينوصف، وكل لحظة بمرّ فيها بقول يا ريتك معي، الله يرحمك يا أمي ويجعل عيدك بالجنة أجمل… بحبك للأبد يا ماما مريم”!

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى