خان أبو خديجة.. تحرسه وصية جد مقدسي “لن يُباع”!
وصيةٌ لا تقبل النقاش مفادها: “”لا تفرّط بالمكان، أطعم من يقصده ولو كان بلا ثمن، واجعل للمسجد الأقصى نصيبًا من رزقك”، ووارث يحفظ الوصية عن ظهر قلب لشاهد على أكثر من 23 قرنًا من التاريخ العتيق، وحجارة صامدة رغم تعاقب الحضارات البيزنطية والصليبية والمملوكية، وعروض شراء فاحشة الأرقام انهارت أمام كلمة واحدة قالها المقدسي “عماد أبو خديجة” بثبات: “لن يُباع”.. خلاصة حكايتنا اليوم عبر منصة “القدس 360” عن “خان أبو خديجة”.
ببقية الوصية بدأ المقدسي حديثه بنبرة فخر: “كان آخر ما قاله لي أبي إسحاق أبو خديجة، يا بني، لو جاءك مسلم أو مسيحي، لا يملك ثمن طعامه فأطعمه ولا تأخذ منه مقابل… وإذا توسع رزقك فيه، اجعل للمسجد الأقصى نصيبًا“.
شاهد على الذاكرة
“خان أبو خديجة” لم يكن أقدم مطعم مقدسي منذ 65 عامًا فحسب، بل حوله وارثه “أبو خديجة” إلى وقف إسلامي يسلِّمه لأبنائه وأحفاده كما تسلّمه من والده، ويراه أيضًا ذاكرة مقدسية حية عتيقة تقاوم النسيان والبيع وشاهدًا على 2300 عام من ذاكرة القدس وصمودها، يتحدث عن الخان كأنه يخبرنا عن أحد أبنائه: “هذا الخان يحميه وصية متجذرة في قلبي كحجارة القدس، يحرسه بري لأبي وعائلتي العريقة، وأشعر أنه أمانة معلقة برقبتي لم أخنها أمام عرض الاحتلال لشرائه مني بمبلغ قدره 40 مليون دولار ولن أخنه ولو عرضوا علي عروضًا أكبر فكل أرقامهم جوفاء أمام وصية العائلة”.
في قلب البلدة القديمة من القدس، وعلى درب باب السلسلة المؤدي إلى المسجد الأقصى، يقف خان أبو خديجة شاهدًا على صمود المدينة المقدسة، تتشابك حضارات عريقة بين جدرانه، حاملًا فيها أسرارًا عمرها أكبر من الاحتلال بكثير، تمامًا مثلما يكمن في أرضه سر تاريخي، “يبعد عن حائط البراق ثلاثة أمتار، ويمتد الطابق العلوي فيه على مساحة 300 متر، وفي أسفله فتحة أرضية صغيرة”، يقول “أبو خديجة”.
يكمل أبو خديجة حديثه لمنصة القدس 360: “يوجد سبعة أنفاق أسفل الخان من الفتحة الصغيرة في أرضه تعود إلى حقب بيزنطية وصليبية ومملوكية، يصل أحدها إلى المسجد الأقصى، وآخر يمتد إلى حائط البراق، وثالث يقود نحو باب العمود، بينما يعد واحد منهم طريقًا إلى كنيسة القيامة”.

“مؤتمن” رغم المضايقات
ظل “المؤتمن” كما يناديه أهل القدس “عماد أبو خديجة” يرمم المكان بنفسه لمدة 30 عامًا، لكن المحتل الغاشم كان وما يزال يلاحقه بالمخالفات ويرهقه بالديون والمخالفات اليومية منذ سنوات طويلة في محاولة لانتزاع المكان منه، يكمل حديثه: ” يضغط الاحتلال علي اقتصاديًا بحجج واهية، ورغم كل الملاحقات والانتهاكات بقيت لعشرات السنوات أرمم الخان سرًا وأنقب عن أسراره وأكتشفه، رغم حرماني من الحصول على رخصة له، كما يفرض المحتل علي مخالفات باهظة كي يثبت عجزي عن سداد الديون، ويحاول عرقلة وصول الزوار، ويسعى المستوطنون دومًا إلى الاستيلاء على أجزاء من محيطه بالقوة عبر دعاوى قضائية”.
وكأي معلم ثقافي وتاريخي عربي في القدس، لم يسلم “خان أبو خديجة” من محاولات تهويده وسلبه من أصحابه، حيث الاعتداءات الكثيرة على أبوابه، عدا عن مداهمة قوات الاحتلال للخان مرارًا، واقتحام أقبيته وتفتيش أنفاقه، وإصدار أوامر هدم وإغلاق بحجة عدم ترخيصه.
يختم “المؤتمن” حديثه: “في مواسم الأعياد اليهودية، تتضاعف المضايقات، فيقتحم الجنود بوابته ويرقصون على عتبته وينبطحون عليها، في محاولة لسرقة قدسيته وتاريخيته وهويته العربية.
في “خان أبو خديجة” تتعانق روائح المطبخ المقدسي العريق مع نداء المآذن، فيشعر زواره أن كل محاولات التهويد تمر عبثًا أمام حجارته التي تنبض تاريخًا وصمودًا مهما تبدلت الأزمنة، وأن وصية الأجداد المقدسيين أقوى من كل محاولات اقتلاعه!




