بين الركام والرصاص.. بطولةٌ خالدة في ذاكرة غزة
في طريقها إلى المشفى، كان الغبارُ يعلو على ملامح المدينة، صمتٌ يخيم على المدينة إلا صوت الانفجارات والصواريخ.. الناس شاخصةٌ أبصارها من هول ما يحدث..
بين ركام مقصوف، سمعت الطبيبة “أميرة العسولي” صوتًا خافتًا يئن، يتسلل من بين أكوام الحجارة على بيت مدمر، لم تكمل طريقها، توقفت لتمعن في الصوت فوجدته صوت مواء مرتجف لقطة عالقة بين الركام.
ساعات طوال بقيت “العسولي” تزيح الحجارة حجرًا حجرًا، تنفض الغبار بيدين مرهقتين، استهلت حديثها في حوارها مع منصة القدس 360: “حين سمعت صوت الأنين، اقتفيت الأثر، عددت إنقاذ القطة شكلًا من أشكال المقاومة، بين الأحداث المثقلة بالقسوة ووحشة الحرب، كما أحببتُ أن يكون فعلي صورة للرحمة التي افتقدها الناس بين أحداث الحرب وقسوتها وعنجهيتها، والتي تبقى حية في شوارع غزة حتى وإن سكنها الخراب”.
عبر سلسلةٍ توثيقيةٍ تُسرد فيها حكايات النساء الفلسطينيات في شهر المرأة «مارس»، تسلّط منصة القدس 360 الضوء على وجوهٍ من الصبر الإنساني المتجذّر في الأرض، وعلى معاناة المرأة الفلسطينية التي تعيش تفاصيل الحياة تحت وطأة الاحتلال، بين ألم لا ينتهي وأملٍ لا ينطفئ لنساء يكتبن بالصبر سيرة البقاء لكل ما هو فلسطيني!
تعود الدكتورة العسولي في ذاكرتها إلى الليلة السابعة والعشرين بعد المائة لحرب الإبادة، حيث كانت تتكاثف فيها أصوات الرصاص فوق رؤوس النازحين في الخيام المقابلة لمستشفى ناصر الطبي في خان يونس، في حين طال القصف الجوي الطوابق الأخيرة من المجمع، فاهتزّت الجدران والقلوب، أما القناص يتمركز على بعد أمتار من المجمع يرصدُ كل حركة في العراء..
بعد يومٍ مرهق بين الجرحى والمصابين، أسندت الدكتورة أميرة ظهرها إلى جدار غرفتها المكتظة بالنازحين، محاولةً أن تلتقط أنفاسًا قصيرة تمدها بالراحة، لم يطل السكون، اخترق سمعها صوت استغاثة من خيمةٍ أسفل النافذة، جريحٌ أصابته رصاصة قنّاص عند ناصية الشارع على بعد أمتار من المجمع.. كان صراخه حادًا، يستنجد بكل من يجرؤ على العبور لإنقاذه.
عند بوابة المستشفى تجمع الناس، يتقدمون خطوة ثم يتراجعون، فالمسافة كانت قصيرة جدًا ما بين البوابة والجريح، تروي العسولي ما حدث: “ما بين الخطوة والخطوة هناك احتمال كبير جدًا أن يصيب العابر لهذه الأمتار رصاصة القناص فتقتله، لم أستطع الوقوف مكتوفة الأيدي، نزعت ردائي الشتوي وانطلقت من البوابة منحنية الظهر، وقطعت الأمتار القليلة حتى وصلت إلى الجريح ولحق بي الدكتور محمد أبو لحية حملناه وأدخلناه إلى المستشفى تخت زخ الرصاص، وأدخلته للمستشفى، لا ننسى ذلك الموقف فقد كانت الأرض تزخ رصاصًا والسماء تمطر صواريخ، ولكن الموقف كان استجابة لواجب يسبق الخوف”.
في السابع من أكتوبر، حين اندلعت الحرب على غزة وتبدّلت ملامح الأيام في ساعات، كانت الدكتورة أميرة العسولي خارج الوطن، في رحلةٍ علمية بجمهورية مصر العربية، تكمل حديثها: “كنت قلقة جدًا مع كل خبر عاجل وكل صورة تصل من غزة، أتابع التفاصيل والأحداث وقلبي مع الأطباء والممرضين في المستشفيات وأكثر ما أخشاه ألا أستطيع العودة إلى غزة لأكون معهم كما كل مرة، أصابني شعور العجز وأردت أن أكون جزءًا من صفوف الأطباء الذين يحملون عن الناس أوجاعهم”.
ووسط القلق والانتظار، رفعت دعاءها الذي خرج من قلبٍ معلّق بغزة: “يعلم الله أني أحب غزة وأتنفس غزة وأنا خارج غزة، اللهم أرجعني إلى حيث أتمنى”، ومع تعقّد المشهد، فتحت الأقدار لها طريق العودة إلى غزة التي تحب، تقول: “لم تكن رحلة سهلة ولا عادية، لكنها كانت عودةً إلى المكان الذي اخترته قلبًا وواجبًا، عدتُ لأقف في وجه الحرب بما أملك من علمٍ وخبرةٍ وأشارك في مداواة المصابين”.
مشهدُ البطولة التي جسدته الطبيبة أميرة العسولي بقي في ذاكرة الغزيين والعالم، لصورة طبيبة تركض نحو الألم ولا تركض منه، وتواجه الموت بيدين ممدودتين للحياة، ما جعلهم يسمونها “طبيبة غزة العملاقة”، وأعادتهم شجاعتها إلى أمجاد مضيئة في التاريخ الإسلامي ونماذج نسائية صنعت مجد الرحمة في الميادين كافة، وذكرتهم بخيمة الصحابية الممرضة رفيدة الأسلمية التي كانت تضمد جراح الصحابة ومن لا يجدون من يعتني بهم بعد الغزوات!
