Blog

بوابة القدس الشمالية في قلب معركة السيطرة والهوية

لماذا يستهدف الاحتلال كفر عقب؟

 

مع ساعات الفجر الأولى، تبدأ كفر عقب يومها على إيقاع مختلف. آلاف المركبات تتكدس في الطريق المؤدي إلى حاجز قلنديا، والعمال والطلبة والموظفون يترقبون عبوراً قد يستغرق دقائق أو يمتد لساعات. وبينما يحاول السكان ممارسة حياتهم اليومية، تقتحم آليات الاحتلال أحياء البلدة بين حين وآخر، لتغلق الشوارع، وتداهم المنازل، وتنفذ حملات اعتقال، في مشهد بات جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.

في كفر عقب، لا تبدو معاناة السكان مرتبطة بالحاجز وحده، ولا بجدار الفصل العنصري الذي عزل البلدة عن القدس، بل بحالة استثنائية فرضها الاحتلال؛ فالبلدة تقع ضمن حدود بلدية القدس المحتلة، لكنها خارج خدماتها، وتخضع لسيطرة أمنية مشددة، في معادلة تجعلها حاضرة عندما يتعلق الأمر بالاقتحامات والضرائب، وغائبة عندما يتعلق الأمر بالخدمات والبنية التحتية.

وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعدت وتيرة الاقتحامات والعمليات العسكرية في البلدة، ما يثير تساؤلات حول أسباب التركيز الإسرائيلي المتزايد على كفر عقب، وما إذا كانت هذه الإجراءات تندرج في إطار ملاحقات أمنية فحسب، أم أنها جزء من مشروع أوسع يستهدف إعادة رسم الخريطة الديموغرافية والجغرافية للقدس المحتلة.

 

بوابة القدس الشمالية

لم تعد الاقتحامات الإسرائيلية المتكررة لبلدة كفر عقب حدثاً عابراً، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة تعكس المكانة الاستراتيجية التي تحتلها البلدة في الحسابات الأمنية والديموغرافية الإسرائيلية.

وتقع كفر عقب على الطريق الرئيس الواصل بين القدس ورام الله، وتشكل المدخل الشمالي للمدينة، كما ترتبط مباشرة بحاجز قلنديا، ومحيط مطار القدس، وبلدتي الرام ومخيم قلنديا، ما يمنحها أهمية أمنية وجغرافية استثنائية.

ويرى مراقبون أن السيطرة على كفر عقب تعني عملياً إحكام القبضة على أحد أهم المداخل المؤدية إلى القدس، ولذلك تحرص قوات الاحتلال على تنفيذ اقتحامات متكررة، وحملات اعتقال، ومداهمات واسعة داخل البلدة، بهدف إبقائها تحت رقابة أمنية دائمة.

 

معركة الديموغرافيا

ولا يقتصر استهداف كفر عقب على الاعتبارات الأمنية، بل يرتبط أيضاً بالصراع الديموغرافي الذي تخوضه إسرائيل في القدس.

ويؤكد خبير الخرائط والاستيطان خليل التفكجي أن السياسات الإسرائيلية تجاه كفر عقب ومخيم شعفاط تأتي ضمن مشروع يستهدف تقليص الوجود الفلسطيني في القدس، مع الحفاظ على السيطرة الكاملة على الأرض.

وقال التفكجي، في تصريحات صحفية، إن إخراج الأحياء الفلسطينية الواقعة خلف الجدار من المعادلة البلدية الفعلية “ينفذ المشروع الصهيوني الرامي إلى التخلص من الفلسطينيين وتحقيق أغلبية يهودية داخل القدس”، مؤكداً أن هذه الخطوات تشكل جزءاً من مشروع “القدس الكبرى”.

وأضاف أن كفر عقب تحولت إلى ملاذ لعشرات آلاف المقدسيين الذين اضطروا إلى السكن فيها بسبب أزمة السكن وارتفاع الأسعار داخل القدس، مع تمسكهم بالحفاظ على هوياتهم المقدسية، وهو ما يجعل البلدة هدفاً دائماً للمخططات الإسرائيلية.

 

سيطرة بلا خدمات

تعيش كفر عقب مفارقة لافتة؛ فهي تتبع بلدية الاحتلال من الناحية القانونية، بينما تغيب عنها معظم الخدمات الأساسية، من بنية تحتية وتنظيم عمراني ونظافة ومرافق عامة.

ورغم استمرار سلطات الاحتلال في جباية الضرائب من السكان، فإنها تتعامل مع البلدة باعتبارها خارج أولوياتها الخدمية، في حين يقتصر حضورها الفعلي على الاقتحامات العسكرية والاعتقالات، ما يفاقم معاناة السكان ويحول حياتهم اليومية إلى سلسلة متواصلة من الأزمات.

 

الهدم والاقتحامات… أدوات لإعادة تشكيل المنطقة

وفي تعليقه على ما يجري في البلدة، أكد التفكجي أن ما تشهده كفر عقب ومحيط مخيم قلنديا “لا يمكن فصله عن المخطط الإسرائيلي الأوسع لإعادة رسم المشهد الجغرافي والديموغرافي شمال القدس”، مشيراً إلى أن عمليات الهدم والاقتحامات “ليست إجراءات أمنية مؤقتة، بل خطوات مدروسة لإحكام السيطرة على المناطق الواقعة خلف الجدار”.

 

رسالة تتجاوز كفر عقب

ويقول المواطن محمد شحادة، في حديثه لـ”قدس 360″: “التواجد في كفر عقب يختصر معاناة فلسطين بأكملها، فالبلدة تمثل نموذجاً مصغراً لما يعيشه الفلسطينيون من تضييق واستهداف في مختلف مناحي الحياة.”

وأضاف: “الهدف الحقيقي ليس إبعادنا عن القدس فحسب، بل دفعنا إلى مغادرة فلسطين كلها. هذه السياسة ليست جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً مع الحكومة الإسرائيلية الحالية، وإن كنت أرى أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تختلف كثيراً في سياساتها تجاه الفلسطينيين.”

وفي ظل هذا الواقع، تبدو كفر عقب أكثر من مجرد بلدة فلسطينية تقع خلف الجدار؛ فهي إحدى ساحات الصراع المفتوح على مستقبل القدس، حيث تتقاطع الاعتبارات الأمنية مع مشاريع الاستيطان والهندسة الديموغرافية، لتبقى هدفاً دائماً لسياسات الاحتلال الرامية إلى إعادة تشكيل المدينة بما يخدم مشروعه الاستيطاني.

زر الذهاب إلى الأعلى