تقارير

بقدمٍ مبتورة ورسالة كاملة.. “سعيد” يؤم التراويح باندونيسيا!

إنها حكاية القدر العجيب! وتتساءلُ كثيرًا حين تسمعها: ” كيف تكتب الحياة خطوطها ذاتها بين الأجيال، وكيف يلتقي اسمك بمصير من سبقك ؟!

“سعيد الرملاوي” يحمل اسم جدّه، كان مبتور القدم أيضًا.. في نفس الموضع، فوق الركبة، يحمل نفس الابتلاء، ويتخطاه بإيمان وصبر وعطاء فأكرمه الله، وأغدق عليه رزقًا ونجاحًا.

هذا الجد بذات الاسم، أصبح مرآة لابنه الحفيد، الذي وجد نفسه يمر بنفس الامتحان، ويحمل الرسالة نفسها: القدرة على النهوض بعد السقوط.

أربع ساعات تحت الأنقاض

فتحت أنقاض برج التاج.. بدأ سعيد الحفيد رحلته!

حاورت منصة القدس 360 الشاب الغزي “سعيد الرملاوي” الذي فقد قدمه في حرب الإبادة على غزة.. بدأ حديثه عن اللحظة التي انهار فيها برج التاج على رؤوس ساكنيه، في الخامس والعشرين من أكتوبر عام 2023م، حيث شنّت طائرات الاحتلال أعنف ضربة جوية على البرج، وألقت سبعة عشر صاروخًا دفعةً واحدة، حتى بدا المكان وكأنه مُسِح من الخريطة..

 لم يكن المشهد يومها قابلًا للتخيّل بقدر ما كان أقرب إلى نهايةٍ مكتملة، كما لم يخطر في بال أحد أن يخرج إنسان واحد حيًّا من تحت هذا الركام، أما سعيد يقول: “كنتُ تحت الأنقاض، ساقطًا بلا قدرة على الحركة، لكنني كنت على وعيٍ كامل، فلم أفقد إحساسي بالعالم، ولم تغب الأصوات من حولي، الغبار يملأ صدري، والظلام يضغط على عينيّ، وفوق رأسي كانت طبقات من الإسمنت والحديد، إلى جانبي تمامًا كان عمّي خالد الرملاوي، وسط هذا الخراب الذي لا يشبه الحياة، قال لي بصوتٍ متقطّع: “نحن على قيد الحياة”.

كانت تلك أول لحظة يدركُ فيها “سعيد” أنه لم يمُت بعد، يصفها بقوله: “كانت لحظة وعيٍ قاسية، أتذكّر الأصوات يومها، كان صوت الناس وهم يتشاهدون يتردّد من حولي، شهادةٌ تخرج مثقلةً بالتراب والدم والخوف… ثم تنقطع فجأة، كما أتذكر شخير الموت من حولي، كانوا يصدرون صوتًا خافتًا وهم يحتضرون ثم يغادرون الحياة بجواري، فكان أقسى ما في اللحظة أن تسمع أصوات أهلك وهم يلفظون الشهادة، واحدًا تلو الآخر، ثم يسكتون إلى الأبد”.

الشيء الوحيد الذي تمسّك به “سعيد” كي لا يفقد وعيه كان القرآن، يقرؤه بصوت مختنق تحت الركام، يردده مرارًا: “يا أيتها النفس المطمئنة..ارجعي إلى ربك راضيةً مرضيّة”، يتشبث بها كأنها الحبل الأخير بينه وبين الحياة.

يقول: “في البداية، كان إحساسي أن شهادتي قريبة جدًا فرددت بقلبي أهلًا بالجنة، ولكن حين سمعت صوت عمي بجواري لم نعد نفكر بالموت بل بطريقة النجاة، تحدّثنا همسًا، بصوتٍ لا يكاد يسمع، وبدأنا نبحث عن أي وسيلة للخروج من هذا القبر، فكان بحوزة عمّي شريحة هاتف تركية ما تزال تعمل بالإنترنت، كتبنا رسالة استغاثة قصيرة إلى أصدقائه في تركيا، بعدها، تواصل أصدقاؤه مع الصحف التركية، وانتقل النداء من تحت الركام إلى الشاشات، حتى وصل الخبر إلى غزة، فجاءت طواقم الدفاع المدني، ففي تلك اللحظة أدركت أنني لم أعد أقول: أهلاً بالموت، بل بدأتُ، للمرة الأولى منذ سقط البرج فوقنا، أفكّر بالحياة، وبقينا تحت الأنقاض قرابة أربع ساعات، أربع ساعات لم نشعر فيها بجوعٍ ولا عطشٍ ولا حتى خوف، لكن رأسي كان عالقًا بين كتل الركام، والضغط يطحن جمجمتي ، والدم يكاد ينقطع عنها.

نتف “سعيد” شعر رأسه بيده كي يحاول إعادة الشعور إلى رأسه، وحين جاء الإنقاذ، لم يخرج جسده دفعة واحدة ولكنه خرج فاقدًا لأبيه وأخته وأخيه، فاستُشهد من عائلته يومها في تلك الضربة تسعة عشر شخصًا، ونجا واحد وعشرون آخرون، من بينهم أربعة عشر طفلًا تيتموا، سبعة منهم خرجوا إلى الحياة بلا أم أو بلا أب.

قدم مبتورة ورسالة كاملة

يروي ماحدث: “أيقنتُ أن الله قد أخرجني من تحت الأنقاض لرسالة سأعيش من أجلها”، يقول “سعيد” إنه شعر أنه محمل بأمانة كلما تذكر الأربع ساعات التي قضاها تحت الأنقاض، فبدأ يتطوع في حلقات تحفيظ القرآن وإغاثة الناس، وملاحقة احتياجاتهم بين البيوت المهدمة والملاجئ المؤقتة والخيام، في إحدى المرات، قصفت طائرات الاحتلال المكان الذي كنّا نعمل فيه وبُترت قدمي، كان ذلك بتاريخ 4/7/2025م، ورغم ذلك، واصلت العمل، وكنتُ وأنا مبتور القدم أتنقّل لتفقّد أحوال الناس ومتابعة احتياجاتهم، خاصة في شمال غزة، حيث كانت المجاعة قاسية إلى حدّ كبير، وفي خضمّ هذا كله، بدأتُ أُكمل تعليمي عن بُعد من شمال غزة، ولم أكتفِ بذلك، كنت أذهب إلى شركتنا المدمّرة، نحاول بما تبقّى من أدوات أن نصنع خراطيم مياه بسيطة، فقط كي نُعين الناس على البقاء، وكي نُثبّت وجودهم في أرضهم، ونفشل ما أمكن من مخططات الاحتلال في اقتلاع وجودنا من الشمال”.

سافر “الرملاوي” إلى مصر برفقة والدته التي كانت سندها منذ اليوم الأول لإصابته، يقول: “كنت قد وصلت للعلاج بعد أن تواصلت معي متبرِّعة سمعت صوتي وأنا أقرأ القرآن، وتأثّرت به، وتكفّلت بعلاجي كاملًا، لم تكن تعرفني، ولم ترَ وجهي، وصلها صوتي وتلاوتي فقط”

لم يبكِ “سعيد” ولم ينكسر، فكرةٌ واحدة ضربت قلبه: “هل سأستطيع أن أكون إمامًا بعد اليوم”؟ وهل سأقدر أن أكون معيلًا لوالدتي المصابة، وسندًا لأخي وأختي،ك بعدما فقدت والدي وأخي وأختي شهداء عامر الرملاوي، وربى الرملاوي، وإبراهيم الرملاوي”؟

لكن المرة الأولى التي وقف بها “سعيد” على الطرف الصناعي عاهد نفسه أن تكون إصابته مشجعًا له على إكمال رسالته في الحياة، تكيف مع البتر نفسيًا وتصالح مع ابتلائه، يقول: “لم أحتج وقتًا طويلًا ربما لأن أمامي صورة محفورة في قلبي، جدّي سعيد الرملاوي، أبو عامر، الذي أحمل اسمه نفسه، كان مبتور القدم فوق الركبة، وتعالج في مصر، ثم فتح الله عليه، وزاد عطاؤه وإبداعه ورزقه، صحيح أن الحرب دمّرت كل ما جمعه في حياته، لكنني أؤمن أنني سأكمل الطريق من بعده، ومن بعد والدي الشهيد، الذي كان يعمل مديرًا لعيادة الرعاية في جباليا”.

محنة ومنحة

قبل تركيب الطرف الصناعي كان “سعيد” مصرًا كما يقول لمنصة القدس 360 على الصلاة بقدم واحدة، فكل من حوله كان يقول له إن الله أعطاك رخصة وهو يجيب ذات الشيء في كل مرة: “إن لم أُهلك نفسي بالطاعة… أُهلكتني بالمعصية” مسترسلًا في حديثه: “بعد إصابتي لم تضعف علاقتي بالقرآن، بل اتّسعت، أعطاني هذا الجرح وقتًا أطول للتلاوة، ومجالًا أوسع لتحسين الصوت والأحكام، وفي لحظات كثيرة، أشعر أن التلاوة هي التي أعادتني إلى نفسي، فالقرآن كان شفائي منذ طفولتي، ساعدني على نطق حرف الراء جيدًا، وهو الذي صبّرني على فقد عائلتي، وعلى فقد قدمي، وحين أقرأ اليوم، أشعر أن صوتي لم يعد لي وحدي، فمن خلاله أريد أن أوصل صوت ورسالة 6000 مبتور في غزة”.

لم تكن المحنة هذه هي نهاية الطريق بالنسبة لسعيد، بل كانت بداية فصل مختلف في حياته، فبعد بتر قدمه ظن كثيرون أن الألم الجسدي والنفسي سيقيده، لكن صوته كان أقوى من الجراح، جاءته فرصة المشاركة في برنامج “الأصوات الجميلة” لتلاوة القرآن الكريم، ما أتاح له فرصة أن يقف إمامًا للمصلين في صلاة التراويح باندونيسيا، يتلو كتاب الله بثباتٍ وطمأنينة في مشهد يوصل رسالة أمل لكل المبتورين وكل من ظنَّ أن العجز يحد من طريق الطموح، يقول: “آمل أن أكون سند المبتورين وأن أؤسس لهم مؤسسة ترعاهم وتجمع صوتهم ومواهبهم واحتياجاتهم”.

وعن أول صلاة وقف سعيد يؤمها بالناس ختم حديثه ليصفها: ” في أول ليلة وقفت فيها إمامًا، والناس خلفي، شعرت بفرح كبير، فقد كنت أخاف من فكرة أنني بعد البتر لن أستطيع أن أقف إمامًا مرة أخرى، لكنني وقفت، وصلّيت بالناس بشكل طبيعي، واليوم، أصلّي وأقرأ وأسير بطرفٍ صناعي، وقلبٍ لا يزال يحاول، وأطمح أن أزور تركيا وغيرها من الدول، لأتعلّم أكثر في أحكام القرآن، وأن أمضي في طريقي كما وعدت نفسي بقدمٍ واحدة، ورسالةٍ كاملة”!

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى