يعكس التعليم في شرق القدس معركة مفتوحة بين محاولات الاحتلال فرض سيطرته على المنظومة التعليمية، وبين إرادة الفلسطينيين الحفاظ على هويتهم الثقافية والوطنية.
وفي ظل هذه الظروف المعقدة، يشهد قطاع التعليم الفلسطيني في القدس تحديات متعددة، تبدأ من الضغط المستمر على المناهج الدراسية، ولا تنتهي باستهداف المؤسسات التعليمية نفسها.
ومن حيث المناهج، يسعى الاحتلال لفرض المنهاج الإسرائيلي أو الفلسطيني المحرف على قطاع التعليم في شرق القدس، فيما تجهد المدارس للتمسك بالمناهج الفلسطينية، للتصدي لمساعي الاحتلال لحسم هوية التعليم في المدينة وفق رؤيته ومزاعمه.
ويبلغ عدد الطلاب الفلسطينيين في شرق القدس قرابة 139,877 طالبًا، يتوزعون على عدة أنواع من المدارس، بما في ذلك المدارس الرسمية، والمدارس الخاصة، والمدارس غير المعترف بها من قبل سلطات الاحتلال.
واقع قطاع التعليم في شرق القدس
يعاني قطاع التعليم في شرق القدس واقعًا يعكس إصرار الاحتلال على إحكام سيطرته على وعي المقدسيين، ومصادرة هويتهم وثقافتهم.
وحذّر تقرير صادر عن جمعية “عِير عَمّيم” حول افتتاح العام الدراسي 2025–2026، من تصعيد خطير في السياسة التعليمية الإسرائيلية في شرق القدس، يتمثل في اشتراط بناء أي صفوف أو مدارس جديدة بالالتحاق الإلزامي بالمنهاج الإسرائيلي.
وفقاً للتقرير، يبلغ نقص الفصول الدراسية 1,461 فصلاً، وفق بيانات البلدية، ما يخلق أداة ضغط تجبر هذه السياسة الأهالي والطلاب والمعلمين الفلسطينيين على الاختيار بين الاستمرار في تحمل نقص شديد في الفصول الدراسية، بما في ذلك الاكتظاظ والمباني المتهالكة، أو التخلي عن المنهاج الفلسطيني، المبني على هويتهم وثقافتهم، والانضمام إلى المنهاج الإسرائيلي.
وأشار التقرير إلى أن وزارة المعارف وبلدية الاحتلال أوضحتا أن أي فصول أو مدارس جديدة تُنشأ ضمن خطة التنمية الحكومية ستكون مشروطة بالعمل حصريًا وفق المنهاج الإسرائيلي.
وفي ما يأتي أبرز ملامح واقع التعليم في شرق القدس:
1. نقص حاد في الفصول الدراسية: يعاني قطاع التعليم في شرق القدس نقصًا يصل إلى 1461 فصلاً دراسيًا، وهو ما يعيق بشكل كبير العملية التعليمية. على الرغم من وعود سلطات الاحتلال ببناء 1200 فصل، لم يتم بناء سوى 20 فقط.
2. التضييق على المدارس الخاصة والمدارس التابعة لوكالة الأونروا: يعاني قطاع التعليم الفلسطيني في القدس استهدافًا مستمرًا للمدارس الخاصة، سواء عبر حملات التفتيش أو عبر تهديدات بإغلاق المدارس أو سحب التراخيص. كما تم إغلاق مدارس وكالة الأونروا في القدس، ما أدى إلى تشتيت الطلاب ورفع أعداد الملتحقين بالمدارس التي تطبق المنهاج الإسرائيلي.
3. عدم توافر الكادر التعليمي الكافي: تشهد مدارس شرق القدس نقصًا ملحوظًا في الكادر التعليمي المؤهل، نتيجة للقيود التي تفرضها سلطات الاحتلال على توظيف المعلمين الفلسطينيين، إضافة إلى تضييق الخناق على الجامعات الفلسطينية التي تُعتبر المصدر الرئيس لتأهيل الكادر التعليمي في المنطقة.
4. التحديات المتعلقة بمنهاج التعليم: يسعى الاحتلال إلى فرض المنهاج الإسرائيلي في مدارس شرق القدس، ما يهدد بطمس الهوية الوطنية الفلسطينية.
5. الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على الطلاب وأسرهم: مع استمرار الحصار والتشديد على أحياء القدس وبلداتها، يواجه الطلاب وعائلاتهم تحديات اقتصادية حادة. وتجد العديد من الأسر صعوبة في توفير متطلبات التعليم الأساسية مثل الكتب المدرسية والرسوم الدراسية، فضلاً عن النقل المدرسي.
العدوان على قطاع التعليم
شهد قطاع التعليم الفلسطيني في القدس تصاعدًا ملحوظًا في استهدافه من قبل سلطات الاحتلال، ضمن مساعٍ حثيثة لأسرلة القطاع والسيطرة عليه.
ويشير الباحث علي إبراهيم إلى جملة من الاعتداءات التي يستهدف بها الاحتلال هذا القطاع، من بينها حملات التفتيش والملاحقة التي شملت تفتيش المدارس الخاصة، حيث يتم منع تدريس المنهج الفلسطيني في مدارس عديدة تحت طائلة إيقاف التمويل وإغلاق المدارس.
ومنها أيضًا إغلاق مدارس الأونروا، حيث كان قرار الاحتلال بمنع العمل بمدارس وكالة الأونروا في القدس هو جزء من خطة أكبر لتهويد التعليم، ما أثر بشكل كبير على الطلاب الفلسطينيين الذين يعتمدون على هذه المدارس.
ويضاف إلى ذلك، وفق إبراهيم، إخلاء المدارس ونقل الطلاب، مثل قرار إخلاء مدرسة سلوان الإعدادية للبنين وتحويلها إلى مدرسة مختلطة تدرس المنهج الإسرائيلي، ما يؤدي إلى تضاعف عدد الطلاب في المدارس الأخرى، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة التعليم.
لماذا يعمل الاحتلال على السيطرة على التعليم في القدس؟
تسعى سلطات الاحتلال جاهدة إلى فرض سيطرتها الكاملة على المنظومة التعليمية في القدس المحتلة، و”أسرلة” المناهج، ومنع أي مناهج تحمل مضامين دينية، ووطنية وفكرية وأخلاقية أصيلة، تتصل بفلسطين والقدس والأقصى.
ويشير الباحث إبراهيم إلى جملة من الأهداف وراء سياسة” أسرلة التعليم، ويلخصها كما يأتي:
1. فرض الرواية الصهيونية للتاريخ والمكان: تسعى سلطات الاحتلال إلى ترسيخ روايتها حول القدس والمسجد الأقصى، من خلال ترويج مفاهيم تدعي “الحق التاريخي والديني” لليهود في المدينة، وإعادة كتابة التاريخ من منظور استعماري يمحو الرواية الفلسطينية والعربية والإسلامية.
2. طمس الهوية الوطنية والوعي الجمعي: تعمل على إقصاء أي محتوى تعليمي يُذكر الطلاب بانتمائهم الفلسطيني، أو يؤكد على حق الشعب الفلسطيني الأصيل في القدس، ودور المدينة ومقدساتها في الوجدان العربي والإسلامي، بهدف تفريغ الذاكرة الجماعية من مضمونها الوطني.
3. صناعة جيل يقبل بشرعية الاحتلال: تهدف إلى تربية جيل فلسطيني يصدق فكرة “الدولة اليهودية” و”وحدة الشعب الإسرائيلي”، ويقلل من شأن الهوية الوطنية الفلسطينية، دون أن يواجه أو حتى يدرك واقع الاحتلال القمعي الذي يعيشه.
4. تطبيع الواقع الاستعماري نفسيًا واجتماعيًا: من خلال تصوير مؤسسات الاحتلال ككيانات شرعية وطبيعية، تُرسخ في وعي الطلاب نوعًا من “القبول القسري” بالواقع المفروض، ما يُضعف لديهم الحس النقدي، ويُقلص الدوافع المستقبلية للمقاومة أو التغيير.
5. إضعاف اللغة العربية وتفريغها من محتواها: تُهمش اللغة العربية لصالح العبرية، وتفريغ المناهج من المضامين الثقافية والقيمية والوطنية المرتبطة بها، في محاولة لتقويض دورها كأداة أساسية للتفكير، والتعبير، والارتباط بالهوية والتراث الفلسطيني.
6. خلق طبقة “وسطية” قابلة للاندماج في النظام الإسرائيلي: عبر برامج تعليمية ومهنية مُخصصة، تسعى سلطات الاحتلال إلى إعداد جيل من الشباب الفلسطيني أكثر استعدادًا للاندماج الوظيفي والاقتصادي في المنظومة الإسرائيلية، بعيدًا عن الانخراط في العمل الوطني، أو النضال من أجل التحرر.
7. إضعاف دور المؤسسات الفلسطينية والدينية: من خلال عزل التعليم عن المرجعيات الفلسطينية، وهو هدف يلتقي مع إضعاف بنية المجتمع الفلسطيني في القدس، وإنهاء وجود مؤسسات مجتمعية بعيدًا عن هيمنة الاحتلال.




