يشهد المسجد الأقصى، منذ أيلول/سبتمبر 2023، تصعيدًا غير مسبوق في سياسات الاحتلال الإسرائيلي، يتمثّل في حصار ممنهج، وعسكرة متصاعدة، وفرض وقائع جديدة تمسّ الهوية الدينية والتاريخية للمسجد، وسط تعتيم إعلامي واسع يفرضه الاحتلال لمنع نقل حقيقة ما ينفذه من اعتداءات في أحد أقدس المقدسات الإسلامية.
حصار مستمر وتقييد للعبادة
بدأ الاحتلال في 16 أيلول/سبتمبر 2023 تنفيذ سياسة حصار مشدد على المسجد الأقصى، تزامنًا مع موسم الأعياد التوراتية، حيث فُرضت قيود صارمة على دخول المصلين، واقتصرت الصلاة على موظفي الأوقاف الإسلامية وكبار السن من سكان البلدة القديمة، مع إغلاق المسجد فعليًا من صلاة العشاء حتى صلاة العصر في اليوم التالي.
ويشير الباحث في الشأن المقدسي زياد ابحيص، في مقال تابعته منصة القدس 360، إلى أنّ الهدف من هذه الإجراءات هو إفراغ المسجد من المصلين والمرابطين، ومنع الاعتكاف، وتمكين المستوطنين من الاستفراد بالأقصى على مدار 22 يومًا.
ويبين أنّه، مع عملية “طوفان الأقصى” واستمرار حرب الإبادة، تواصل الحصار لأسابيع، حيث لم يتجاوز عدد المصلين صفًا واحدًا في بعض الصلوات، فيما لم يتعدَّ عدد المصلين في صلاة الجمعة 5000 مصلٍ خلال أكثر من 10 أسابيع.
ويشير إلى أنّه رغم تخفيف نسبي للقيود خلال شهر رمضان، خصوصًا في ليلة السابع والعشرين، فإن السياسة العامة للحصار استمرت على مدى العامين اللاحقين، مع استخدام بعض المناسبات الدينية للتغطية على واقع الإغلاق الدائم.
وقد رسخ الاحتلال هذا الحصار ميدانيًا عبر منظومة من الحواجز: أربعة أطواق للقادمين من خارج البلدة القديمة، وخمسة أطواق للقادمين من خارج القدس، إضافة إلى حواجز داخلية تفرض على سكان البلدة القديمة المرور بإجراءات أمنية متعددة، حتى لمن يقطنون على بعد أمتار من المسجد.
عسكرة المسجد وتحويله إلى ساحة أمنيّة
يقول ابحيص إنّ الاحتلال، وبالتوازي مع الحصار، فرض واقعًا أمنيًا جديدًا في المسجد الأقصى، شمل إقامة أسلاك شائكة فوق أسواره، وتوسيع شبكة كاميرات المراقبة، بما فيها كاميرات ذكية قادرة على التعرف على الوجوه وتغطية معظم ساحات المسجد.
وقد شكّل يوم 13 آذار/مارس 2024 نقطة تحوّل خطيرة، حين بدأت شرطة الاحتلال بنشر دوريات مسلحة في ساحات الأقصى، تتجول بين المصلين أثناء الركوع والسجود، في خرق غير مسبوق لما عُرف منذ عام 1967 بمبدأ “لا صلاة تحت الحراب”.
ويبين أنّ شرطة الاحتلال باتت تقطع الصلوات لتدقيق الهويات، وتفتش وجبات الصائمين، وتوقف الدروس الدينية، وتستجوب الأئمة والوعاظ، ما أدى إلى تقليص دور دائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية وحصره في إدارة شكلية للحضور الإسلامي، بعدما كانت صاحبة الصلاحيات الكاملة في إدارة شؤون المسجد.
تمدّد وقائع التقسيم الزماني والمكاني
يشير ابحيص إلى 4 وقائع جديدة فرضها الاحتلال على المسجد الأقصى خلال حرب الإبادة.
وشملت هذه الوقائع مزيدًا من التمديد لساعات الاقتحام حتى وصلت إلى ست ساعات وربع يوميًا، بعدما كانت 3 ساعات عند بدء فرضها في 2008، وهو ما لم يكن موجوداً من الأساس قبل ذلك التاريخ.
كذلك، كرس الاحتلال استفراد المقتحمين بالساحة الشرقية للأقصى حتى باتت وكأنها كنيس غير معلن داخل الأقصى، كما حظر وجود المصلين في طريق المقتحمين نهائياً خلال عام 2024، ومنع في عام 2025 وجود المصلين في أي موقعٍ يسمح لهم برؤية المقتحمين أو تصويرهم طوال فترة الاقتحام، ما يعني منح المقتحمين الحرية المطلقة وكأنهم أصحاب المسجد خلال اقتحامهم، وحصر أصحاب المسجد الأصليين في داخل الجامع القبلي أو في الجزء الداخلي من صحن الصخرة، ومنع الحراس التابعين للأوقاف الأردنية من الالتحاق بنقاط الخدمة المكشوفة في طريق المقتحمين، وفرض دخولهم داخل المباني والقباب والخلوات في حال كانت حراستهم في محيطها.
وعلاوة على ذلك، تشير تصريحات رسمية إسرائيلية إلى نية توسيع هذه الإجراءات، إذ تعهد وزير القضاء في حكومة الاحتلال ياريف ليفين، خلال احتفال علني في كانون الأول/ديسمبر 2025، بتمديد ساعات الاقتحام لتشمل ساعات المساء.
فرض طقوس توراتية وتعميق التهويد
بدأت “منظمات الهيكل”، منذ عام 2019، بفرض طقوس توراتية في المسجد الأقصى تدريجيًا، باعتبارها “تأسيسًا معنويًا للهيكل”.
وقد تحوّل هذا المسار، وفق ابحيص، إلى سياسة رسمية بعد قرارات وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير، الذي وجّه الشرطة بتمكين المستوطنين من أداء طقوس جماعية علنية داخل المسجد.
وفي تموز/يوليو 2025، صدر قرار إضافي من بن غفير يسمح بالغناء والتصفيق والرقص الجماعي داخل الأقصى، في خطوة عدّت تصعيدًا نوعيًا نحو تحويل المسجد إلى ساحة احتفالات، وفرض هوية يهودية موازية للهوية الإسلامية للمكان.
تعتيم إعلامي وإقصاء المرابطين
يقول ابحيص إنّ هذا التصعيد ترافق مع سياسة تعتيم إعلامي مشددة، تمثلت في منع أكثر من 400 من المرابطين الدائمين من دخول المسجد، إلى جانب قوائم إبعاد متجددة تطال مئات النشطاء والصحفيين قبيل كل موسم تصعيد.
كما رافقه ملاحقة سلطات الاحتلال كل من يوثق الاقتحامات، وطرده أو إبعاده في حال ضبطه أثناء التصوير، ما أدى إلى غياب شبه كامل للتغطية الميدانية، واقتصار المعلومات المتداولة على ما ينشره المستوطنون أنفسهم عبر منصاتهم.




