اختلفَ الأمرُ كثيرًا حين كان التنقيبُ عن حكايا الشهداء الدعاة، فلم أكن أبحث هذه المرّة عن سيرٍ عابرة، بل عن أخلاق كانت كقرآن يمشي بينهم، عن آثارهم في القلوب، عن الأصوات التي ما تزال تُردّد دعاءهم، وعن الأبواب التي فُتحت لأنهم طرقوها يومًا بالصدقة وجبر الخاطر، وعن القلوب التي تعلّمت الصبر لأنهم مرّوا بها خفيفين، صادقين.
في قطاع غزة، لم يكن التنقيب عن الشهداء الدعاة شبيهًا بأي بحثٍ آخر، كان تنقيبًا في دفاتر الوفاء النادر، وفي حقائب العلم القديمة، وفي شهادات الجيران، وفي ذاكرة المساجد، وفي البيوت التي ما تزال تحتفظ بطريقة سلامهم.
وجدتُ نفسي لا أكتب عن سير غائبين، بل أحياء ما يزال أثرهم باقيًا في قلوب المتحدثين لمنصة القدس 360، حين رووا حكايات أخلاقهم التي عاشت طويلًا بين الناس، قبل أن تصعد شهيدة.
الشهيد الوفي
فهل تتخيلُ أن هناك أحدًا حفظ المعروف لقطة أكثر من 17عامًا؟!
هو الشهيد الخلوق، الداعية المجاهد وسيم أبو شعبان، رجلٌ كانت تفاصيله الصغيرة تشبه قلبه، صافية، هادئة، لا يعرفها كثيرون، ففي أحد أيام الرباط على حدود غزة عام 2008م، كان مع رفاقه ينتظرون أمرًا من قائدهم، فجلس في حفرةٍ عميقة، يلوذ بترابها من بردٍ قارسٍ كان ينهش عظامه، كانت الليلة ثقيلة، والوحشة عميقة، وقد كانوا على مسافة قريبة جدًا من الموت، يترقّبون.
وفي تلك العتمة، جاءت قطة، واقتربت منه بهدوء، كأنها تعرفه، وجلست في حضنه، فلم تهرب من صوته، ولم تخشَ سلاحه، دفءٌ صغير في حضن مجاهدٍ لم ينسَه ذاك المقاتل العنيد.
تروي زوجته “سوار أبو شعبان” لمنصة القدس 360: “كان وسيم حريصًا جدًا على ألا يقترب منه أي حيوان، حتى يبقى طاهرًا طوال يومه، لذلك تفاجأت حين خرجنا يومًا في نزهة، فأطعم قطة ولاعبها وتركها تقترب منه، فسألته مستغربة… فابتسم وروى لي حكاية القطة على الحدود قبل 17 عامًا، وختم حديثه بجملةٍ لم أنسها ما حييت لقد حفظتُ المعروف لقطة، وعاهدتُ الله أن أطعم وألاعب وأحسنُ لكلّ القطط التي تأتي في طريقي طوال عمري”.
معطر الصدقات
ومثلما ضرب الشهيد “وسيم” أجمل نماذج الوفاء، فإن سعة الخلق عند الشهيد الشيخ هاني العشي كانت لافتة أيضًا، حين كان يمر بضائقة مادية، ويعيش أقسى أيامه بسبب ضيق الحال، يروي ابنه “أبو صهيب” لمنصة القدس 360 موقفًا عنه: “كان أبي في المسجد وقت صلاة العصر وعاد بعد أن حضر درسًا عقب الصلاة، تحدث فيه الشيخ عن عائلة فقيرة جدًا، فرجع إلى البيت وكان قبلها بيوم قد استدان مائتي دولار، فنادي علي وطلب مني أن أوصل مائة دولار وقبل أن يناولني إياها عطرها بأطيب العطر، فلم يرسل فتات المال وهو في أشد الحاجة إليه، بل قسم المبلغ بينه وبينهم في موقف يدل على الإيثار وطيب القلب والخلق”.
الرزق الحلال
أما الدكتور العالم وليد العامودي الذي استشهد في شهر نوفمبر عام 2023م، فكشفت بعض المواقف التي تحدث بها ابنه ومرافقه محمد عن خوفه الكبير من الله عز وجل وحرصه على ألا يأكل أبناؤه إلا الحلال، يقول لمنصة القدس 360: “تفاجأت باتصال من أبي يطلب مني أن يجمع إخوتي جميعهم قبل الحرب بأيام قليلة، وقال لنا يا أبنائي، ترأستُ العمل الخيري في الحركة سنوات، وبطبيعة هذا العمل وخصوصيته كانت هناك بعض الأملاك مسجّلة باسمي، لكنها ليست لي، وقد جمعتكم اليوم لأبرئ ذمتي أمام الله، فاستغربنا حديثه وقلنا له أطال الله في عمرك لماذا تقول هكذا قال لنا والله ما أطعمتكم إلا حلالًا طيبًا من كدي وتعبي”.
فالمتتبّع في سير هؤلاء الشهداء الدعاة، لا يقف عند حدود الحكاية، بل يجد في كل سيرةٍ منها مرآةً لقيمٍ كادت أن تُنسى، فلم يكونوا خطباء منابر فحسب، بل كانوا دروسًا تمشي على الأرض!




