إنسانفلسطين وناسها

أيتامُ غزة: “من يركضُ لنا؟”

“اركض لي” كلمتان بسيطتان، لكنهما في غزة ليستا مجرد نداء! بل صرخة قلوب صغيرة تبحث عن سند لا يعود، ففي العالم كله، حين ينادي طفل: “بابا اركض لي”، يركض الأب ضاحكًا، يفتح ذراعيه، يلتقط طفله، وتعلو الضحكات!

هو ترند عابر على الشاشات، مشهد دافئ يفيض حبًا وأمانًا، أما في غزة.. فالكلمة نفسها تُقال، لكن لا ذراعين تُفتح، ولا يعلو الضحك، فتبقى معلقة في قلوب تتساءل دون أن تجد إجابة: “متى يعود بابا ليركض لنا؟”، “هل سيعود بابا حين تنتهي الحرب؟”، أسئلة صغيرة في ألفاظها، لكنها تفتك بقلوب الأطفال هناك كالسكاكين، وأسئلة تُلقى على وجوه أمهاتٍ يحاولن أن يبتسمن رغم أنهنّ يعرفن الحقيقة التي لا تُقال، وأن الآباء لن يعودوا حين تنتهي الحروب، وأن أحضانهم صارت ترابًا وأن الباب الذي يأخذهم إلى العناق سيظل موصدًا!

بعض الأطفال كذلك لم يعرفوا بعد معنى أن يكون الأب شهيدًا، ولم يعرفوا أن كلمة “انتهت الحرب” لا تعني عودة الغائبين، ولا توقظ صفارات انتهاء القصف الشهداء، فتقف الأمهات حائرة بين كسر الحلم في عيون أطفالهن، وبين الحقيقة الموجعة لقلوبهم، وما بين الحقيقة والرحمة يتركن نافذة صغيرة لحلمهم بعودة أبيهم حتى يخفف الزمن وقع الصدمة.

“من سيركض لنا؟” بقي سؤالُ “لانا أبو قينص” جرحًا مفتوحًا في صدر أمها، فلم يكن ترندًا عابرًا في قلبها، بل مرآة قاسية للانا حين رأت الآباء في العالم يركضون نحو أبنائهم، بينما هم يكتفون بصورةٍ لأبيهم على الهواتف والجدران!

أوجع الترند “لانا”، شبيهة أبيها المنشد وراثي الشهداء “حمزة أبو قينص”، وشبيهة صوته العذب وضحكته التي تخفف عنه ثقل الأيام، فقد كان يرى فيها طفولته وهو بعمرها، وحين كان يعود إلى المنزل بعد غياب طويل في العمل تلاحقه في البيت وتقلد نبرته وتردد أناشيده، فيغدو البيت حديقة من الضحكات..

 

ربما لم تفهم “لانا” بعد معنى الفقد كاملًا، لكنها شعرت بشيءٍ ناقصٍ في المشهد، وغياب اليد التي كانت تقذفها للسماء ثم تعود إليها، فصار الترند بالنسبة لها سؤالًا مؤلمًا: “من سيركض لي ولإخوتي؟”.

 

كما كانت مشاهد الركض والعناق موجعة لمحمد ذلك الطفل الصغير الذي لم يشبع من حضن والده “أبو قينص”، فقد اختطفته الحرب بعيدًا عن دفء أبيه حين نزح منذ بداية حرب الإبادة إلى جنوب غزة وهو لم يتم عامه الأول بعد، ولم يكن يحفظ بعد ملامح وجه أبيه جيدًا، فكبر على الغياب إلى أن حرمه الاحتلال من اللقاء بعد الغياب الطويل حين قتل أباه!

 

“اركض لي” لم تكن مؤلمة للأطفال فقط، بل لقلوب أمهات وجدن أنفسهن يقفن في منتصف الطريق، يحملن دوري الأب والأم في قلب واحد، أمهاتٌ يعشن حياةً مزدوجة، يحاولن بكل ما أوتين من قوة أن يعوّضن أطفالهن عن آباءٍ غيّبتهم الحرب، وعن خطواتٍ لن تُسمع مجددًا في ممرات البيوت.

 

فكل مقطع لطفل مع والده مر أمام أعينهن، كان امتحانًا قاسيًا لقلوبهن المثقلة بالفقد، وفي قلوبهن أمنية واحدة بسيطة في معناها مستحيلة في حقيقتها: “ليت الآباء يعودون”!

 

كما نشرت وزارة التنمية الاجتماعية بيانات وإحصاءات في واقع الطفولة داخل قطاع غزة تعكس حجم الفقد الذي خلفته الحرب في آلاف البيوت الغزية، حيث ارتفع عدد الأيتام بشكل غير مسبوق عقب حرب الإبادة، فبعد أن كان عدد الأيتام قبل الحرب يقارب 22 ألف يتيم، قفز الرقم إلى 64,616 يتيمًا.

 

وتُظهر الإحصاءات أن الغالبية العظمى من هؤلاء الأطفال هم من يتامى الأب، إذ بلغ عددهم 61,424 يتيمًا، فيما وصل عدد الأطفال فاقدي الوالدين معًا إلى 3,209 أطفال، إضافة إلى 826 طفلًا ناجيًا وحيدًا فقدوا جميع أفراد أسرهم.

 

وفي ظل هذه الأرقام الثقيلة، لا تبدو القضية مجرد إحصاءات تُسجَّل في تقارير رسمية، بل حكايات فقدٍ متكررة تُروى في كل حي وشارع، فكل رقم يحمل اسم طفلٍ ينتظر أباه وسنده الذي غاب، فالأيتام ليسوا أرقامًا!

ياسمين عنبر

كاتبة قصص إنسانية، من عروس فلسطين "حيفا" ومهجرة أنا وأجدادي إلى مدينة الحب والحرب "غزة"
زر الذهاب إلى الأعلى