أسرى غزة.. صرخاتٌ لا تُسمع وركعات على الأهداب!
أغلقوا الباب الحديدي عليه، جسده منهك من تعذيب المحققين، والتعب يفتك بجسده، مثلما يفتت الشوق قلبه.. أطلت على ذاكرته ابنته شبيهته “يمنى” التي مر يوم ميلادها الثامن وهو بعيد عنها، يتخيلها تطفئ شمعة عامها الجديد بلا يد حبه التي تمتد في كل لحظة فرح، ثم تراءت أمام ناظريه زوجته “آصال” شريكته في مشوار الحياة ومهنة الصحافة، وفجأة يباغته وجه أمه حين بكت يوم أن اقتاده الجنود من بيته إلى غياهب الجب.
ففي ليل حالك من ليالي الحرب في غزة، اقتحم الجنود بيت الصحفي “محمد قاعود”.. يروي القاعود لمنصة القدس 360 تفاصيل الموقف: “اللحظة الأولى لم تفارقني، أمسك بي جنديان واقتادوني وأنا منهك من الجوع والتعب، قيدوا يداي وعصبوا عيناي، وانهالوا بالضرب علي حتى غطوا ملامح وجهي بالكدمات، قم ألقوني في مؤخرة شاحنة مفتوحة كان من المفترض أن تكون لأكياس الطعام والطحين، وقمة القهر ساعة الاعتقال أن الجنود يتلذذون بضعفي ويضحكون لألمي”!
بعد عام أُفرج عن الصحفي “قاعود”، الذي استعاد في حديثه لمنصة القدس 360 اللحظات الأليمة التي لا تحصى خلال سجنه لمدة عام، يقول: “شاحنة البوسطة صُنعت لتقل عشرات الجنود، لكن المحتل الغاشم يكدس بها أكثر من مائة أسير مكبلين، يحشروننا في صندوق حديدي ضيق ليس به هواء”..ويكمل حديثه: “لم تقتصر معاناة البوسطة على التكدس الموجود بها، فالسائق لا يعرف الرحمة، حيث يتعمد المرور فوق المطبات وبالتالي يسقط الأسرى ويتهاوون إلى الأرض المعدنية، وتكمن المعاناة أن أيدينا تكون مربوطة خلف ظهورنا فلا نستطيع القيام مرة ثانية”.
أما أكثر ما كان يقهر “قاعود” هو أنه تحول في السجن إلى رقم.. رقم فقط، فلا يناديه أحد باسمه طوال عام كامل، يسهب في تفاصيل الألم هذا: “بطاقتي الجديدة في السجن هو رقم، فحين ينادى برقمي الخاص أعرف أن دوري قد أتى للذهاب إلى محكمة أو عيادة أو نقل لزنزانة أخرى”.. ويصف طريق أي منها بقوله: “حين نخرج من الزنزانة إلى أي مكان كأن الطريق قطعة من العذاب فيضع جندي قدمه بين قدمينا كي نسقط أرضًا، وثاني يضربنا على الكسور في أجسادنا، وآخر يصعقنا بالكهرباء، وآخر يشتمنا بألفاظ بذيئة جدًا”.
تحدثت منصة القدس 360 مع كثير من الأسرى الذين اُعتقلوا وتحرروا خلال الحرب، يقول محمود خليل: “تستقبلنا إدارة مصلحة السجون بالضرب والتعذيب والإهانات، والقهر في ذلك أنها لا تستثني الأطفال والنساء وكبار السن رغم أنهم مدنيون إلا أن الإدارة تصنفهم تحت بند “مقاتل غير شرعي”.
يقبع أسرى غزة في معتقل سديه تيمان كما يقول، يكمل حديثه: “كنا نسميه جوانتانامو إسرائيل”، وهو أقفاص تشبه أقفاص الطيور في كل قفص 200 أسير يعيشون به تحت شمس حارقة صيفًا وزمهرير شديد شتاءً”، وعن أصناف العذاب تابع حديثه بعد تنهيدات تخرج منه مثقلة بين الجملة والأخرى: “ذقنا العذابات بأصناف لا تخطر على بال إنسان، فقد تبول الجنود علينا، وكسروا أضلاعنا ونتفوا لحانا وخلعوا أسناننا بالكماشة، عدا عن نهش الكلاب البوليسية لأجسادنا وضربنا بالهراوات والبنادق، وكان أشد ما رأيناه الاغتصاب بالعصي والبصق بأفواهنا”.
ويختم حديثه: “كان الجنود يطفئون سجائرهم بأجسادنا، ويجردوننا من الملابس ويحرقون جلودنا بالولاعات، عدا عن حرماننا من النوم والطعام، ويفتحون موسيقى صاخبة في آذاننا حتى سالت منها الدماء”.
وفي نهايات الأحاديث حين سُئلوا عن صلاتهم تحت العذاب قالوا: “كنا نصلي برموش عيوننا”.. جوابٌ اختصر أن الروح لا تُكبَّل مهما أثقلوا الجسد بالقيود!




